الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
417
تفسير كتاب الله العزيز
قال اللّه عزّ وجلّ : لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) : أي للمشركين والمنافقين مرجعا لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 ) : أي تأتي عليهم الأحقاب لا تنقطع أبدا . والحقب ثمانون سنة ، والسنة ثلاثمائة وستّون يوما ، كلّ يوم ألف سنة من سني الدنيا . كلّما خلا حقب دخل حقب ، وذلك ما لا انقطاع له ولا أمد ولا غاية ولا منتهى . قال : لا يَذُوقُونَ فِيها : أي في جهنّم بَرْداً وَلا شَراباً ( 24 ) إِلَّا حَمِيماً : والحميم الحارّ الذي لا يستطاع من حرّه ، قد أوقد على تلك العين التي قال عنها عزّ وجلّ : تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) [ الغاشية : 5 ] أي : قد أنى حرّها فاجتمع ، قد أوقد عليها منذ خلق اللّه السماوات والأرض . قال : وَغَسَّاقاً ( 25 ) : قال بعضهم : هو القيح الغليظ المنتن . وقال بعضهم : هي بالفارسيّة ، الغساق بلسانهم ، أي : المنتن . وبعضهم يقول : الغساق : الذي لا يستطاع من شدّة برده ، وهو الزمهرير . قال تعالى : جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) : أي يوافق أعمالهم الخبيثة . إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 27 ) : أي لا يخافون حسابا ، [ لأنّهم ] لا يقرون بالبعث . وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) : [ أي : تكذيبا ] « 1 » . قال : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ( 29 ) : أي أحصت الملائكة على العباد أعمالهم ، وهي عند اللّه محصاة في أمّ الكتاب . ذكروا عن ابن عبّاس قال : أوّل ما خلق اللّه القلم ، فقال اكتب . قال : ربّ وما أكتب ؟ قال : ما هو كائن إلى يوم القيامة . قال : فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . فأعمال العباد تعرض كلّ يوم اثنين وخميس ، فيجدونه على ما في الكتاب . وزاد فيه بعضهم : ( هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) . [ الجاثية : 29 ] . ثمّ قال : ألستم قوما عربا ؟ هل تكون النسخة إلّا من كتاب ؟ .
--> ( 1 ) زيادة من ز ، وقال الفرّاء في المعاني ، ج 3 ص 229 : « خفّفها عليّ بن أبي طالب رحمه اللّه : ( كِذَّاباً ) وثقّلها عاصم والأعمش وأهل المدينة والحسن البصريّ . وهي لغة يمانيّة فصيحة يقولون : كذّبت به كذّابا ، وخرّقت القميص خرّاقا ، وكلّ فعّلت فمصدره فعّال في لغتهم مشدّد . قال لي أعرابيّ منهم على المروة : الحلق أحبّ إليك أم القصّار ؟ يستفتيني » . وقال الجوهريّ في الصحاح : « هو أحد مصادر المشدّد لأنّ مصدره قد يجيء على تفعيل ، مثل : التكليم ، وعلى فعّال ، مثل : كذّاب ، وعلى تفعلة ، مثل : توصية ، وعلى مفعّل ، مثل : ( وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) » [ سبأ : 19 ] .